كشف تحقيق استقصائي أجرته شبكة «سي إن إن» الأميركية بالتعاون مع مركز «Lighthouse Reports» عن أدلة تشير إلى استهداف ممنهج للمدنيين على أساس عرقي من قبل الجيش السوداني وحلفائه في ولاية الجزيرة.
وأفادت الشبكة بأن الحرب الدائرة في السودان خلّفت خسائر بشرية هائلة، إذ يُعتقد أن أكثر من 150 ألف مدني لقوا حتفهم، فيما نزح نحو 12 مليون شخص قسراً، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من خطر المجاعة.
وذكر التحقيق، الذي نُشر الثلاثاء، أن ما جرى في ولاية الجزيرة يكشف عن «فظائع ذات دوافع عرقية» ارتكبتها القوات المسلحة السودانية والجماعات المتحالفة معها، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات خطيرة بلغت مستويات غير مسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة.
وأوضح التقرير أن فريق التحقيق المشترك أجرى على مدى عدة أشهر دراسة معمقة لعمليات الجيش السوداني، خاصة خلال استعادته مدينة ود مدني الاستراتيجية والمناطق المحيطة بها مطلع العام الجاري. واعتمد التحقيق على مراجعة مئات مقاطع الفيديو، وتحليل صور أقمار اصطناعية، وتتبع بلاغات مسرّبين، إضافة إلى مقابلات مباشرة مع ناجين داخل السودان.
وخلص التحقيق إلى وجود أدلة على أن العملية العسكرية اتسمت بالعنف العرقي، وعمليات قتل جماعي للمدنيين، وإلقاء الجثث في القنوات المائية والمقابر الجماعية. كما نقلت «سي إن إن» و«Lighthouse Reports» عن مصادر متعددة قولها إن أوامر هذه الحملة صدرت عن قيادة القوات المسلحة السودانية.
وأكدت الشبكة الأميركية أنها تواصلت مع الجيش السوداني للحصول على تعليق بشأن هذه الاتهامات، لكنها لم تتلقَّ أي رد.
ووصف أحد أعضاء بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان ما جرى في هذه المنطقة بأنه «إبادة جماعية ممنهجة» قد ترقى إلى «تطهير عرقي»، وهو ما قد يشكل جريمة حرب. وكان الجيش السوداني قد دان في يناير الماضي ما وصفه بـ«انتهاكات فردية» عقب استعادة ود مدني، معلناً فتح تحقيق داخلي.
وأظهر التحقيق أن جنود الجيش استخدموا مراراً مصطلح «متعاونين» لوصف ضحاياهم في تسجيلات مصورة، وهو ما اعتبرته جوي نغوزي إيزيلو، عضوة بعثة الأمم المتحدة المستقلة، «اتهاماً بلا أساس» يُستخدم لتبرير الهجمات ذات الطابع العرقي ضد المدنيين.
جثث في القنوات المائية
وفي منطقة بيكة، أفاد ضباط من جهاز المخابرات العامة السوداني بأن مقاتلين قتلوا أشخاصاً اتُّهموا بالتعاون مع قوات الدعم السريع وألقوا بجثثهم في المياه، بل وألقوا ببعضهم أحياء. وبعد أيام، ألقى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان خطاب «النصر» أمام جنود قرب جسر مجاور لتلك القناة.
وأظهرت مقاطع فيديو وصور أقمار اصطناعية لاحقاً جثثاً تطفو في القنوات المائية، بعضها مقيد اليدين، فيما كشف تحليل أجرته جامعة ييل بالتعاون مع «سي إن إن» عن أجسام يُرجّح أنها عشرات الجثث الملقاة في قاع القناة.
عنف بدوافع عرقية
وأشار التحقيق إلى أن العنف خلال حملة استعادة ود مدني استهدف في الغالب أشخاصاً من أصول غير عربية، بينهم سكان من دارفور الغربية وجنوب السودان. ونقل عن ضابط في الجيش قوله إن «كل من بدا أنه من النوبة أو من غرب أو جنوب السودان كان يُطلق عليه النار فوراً».
إعدامات ميدانية واستهداف الكنابي
كما وثّق التحقيق إعدامات ميدانية لمدنيين عُزّل عند «جسر الشرطة»، إضافة إلى العثور لاحقاً على عشرات الجثث لشبان بملابس مدنية دون أي أسلحة ظاهرة.
وبعد استعادة ود مدني، أفادت «سي إن إن» بأن القوات المسلحة والميليشيات المتحالفة معها شنّت هجمات واسعة على مجتمع «الكنابي»، وهو مجتمع غير عربي مهمّش في ولاية الجزيرة. وفي قرية طيبة، اتُهمت ميليشيا «درع السودان» الموالية للجيش بإطلاق النار على المدنيين وحرق المنازل، ما أسفر، بحسب «هيومن رايتس ووتش»، عن مقتل 26 شخصاً على الأقل.
وأكد ضابط في الجيش السوداني كان حاضراً وقت الهجوم أنه شاهد مقاتلي «درع السودان» يطلقون النار على مدنيين، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، في واحدة من أكثر الوقائع دموية التي وثّقها التحقيق.